قصائد لم تنشر
شعر الراحل محمد عثمان كجراي
في مهرجان الكلام الفصيح
قالت الارض في داخلي ينبت الورد، يسكره الضوء،
ينثر الوانه فوق كل الروابي
تتفاعل كل ثمار الكروم،
يُعتقها الزمن المتجدد، والكيمياء تبعثر اشجانها في الخوابي
همس القلب يالجمال الطبيعة حين تُطل الزنابق
في لحظات التفتح ترقص اغصانها في الحديقة..
حين اطلقت اجنحتى حملتني بعيداً
احلق فوق الاثير كسرب الىمام
المسافة بيني وبين المها حين يشتعل الوجد،
آهلة بهديل الحمام
يعشق القلب اُغنية الىاسمين
إذا ماتواصل شجو الهديل
جسَّد النرجس الخلوى تفاصيل اشواقه،
حين اشرع نافذة للعبير تنفس من خلفها الفل
في خطوات الاصيل
كانت الشمس مبهورة، تنثر الكحل في حدقات العيون
والفراشات تعشق ازياءها
حينما يتعرض للضوء خد اسيل
ولهذا رايت البنفسج يغسل احزانه
وشهدت (ابا الطيب) المتدثر بالكبرياء
يموسق في (شعب بوان) اوزانه
لم هذا الاصيل تبدى كقلب جريح؟؟؟
ولم الريح تنثر اشجانها، لاتنام ولا تستريح؟؟؟
ولماذا تعيد الصحارى تفاصيل احزانها
حينما يطرق الرمل نافذة في جدار الزمان الفسيح..؟؟؟
يارؤى الجدب لاوقت لي لاصطحاب النفاق،
ولا وقت لى لابيع الكرامة،
افتتح الىوم سوق المزاد،
بزيف الحروف ، ورصف الحجارة في طرقات المديح
ماتوقفت يوماً بباب السلاطين،
اعرف للابجدية تاريخ رفعتها،
حين يزدهر الحرف اذ يتالق،
العبارات في مهرجان الكلام الفصيح
فاجاتني المها بعيون الجآذر،
ياحارس النهر هيِّئ لقلبي،
على حافة النهر هذا الضريح.....
بقايا الهشيم
رأيت البراءة في وجهك القمرى
فأيقنت ان الوداعة تخطر فوق الرمال
وأوغلت فوق سماء الخيال
قد تفجر في داخلي
ما تجسد في الأفق
خلف الغيوم الثقال
وتحدث قلبي بأهة وجد خفي
سيكبر في صدرك البرتقال
ليجردني من ثياب الوقار
ومن كبريائي، ومن طاقة الاحتمال
فكل النجوم تكحل أحداقها
وكل الصبابات تنشر في معبد الحب أوراقها
أرى ساحة الورد تستقبل الىوم عشاقها
أراك -- بعين الخيال
قرنفلة غضة في رياض الجمال
تتيه على موكب الزهر في ثوبها
فتشرب كل العصافير
نخب المشاوير من كوبها
رأيتك عند إبتداء الربيع
فكيف إذا ما شهدتك
حين يعربد في صدرك البرتقال
سينهمر المطر الساحلي
مع الوجد في ذروة الانفعال
فيا للعيون الوساع
بمن نحتمي حين تورق في موسم الزهر كل البقاع
وينطلق السحر
يخترق القلب في ومضات الشعاع
فيا بسمة الزمن الشاعرى
هو العشق يجرف قلبي
على ساحل في محيط المحال
يجردني من ثياب الوقار
ومن كبريائي ومن طاقة الاحتمال
فيا نبض قلبي تخير مصيرك
ما العشق إلاَّ ارتياد الجحيم
وللحسن في معرض الكلمات
على دولة الشعر دين عظيم
فدعنا نخوض غمار الجنون
لنحرق مثل حقل بقايا الهشيم
--------------------------------------------------------------------------------
الثورة على الگلاسيگي
كجراي... وحكاية الشاعر والسلطانعرض : مجذوب عيدروس غيب الثرى وجه كجراي ، ويبقى كجراي الشاعر يشع من خلال مجموعته من المخطوطات الشعرية التي لم تنشر في دواوين شأنه شأن كثيرين من شعراء السودان الكبار. عرف القارئ السوداني وبعض القراء العرب كجراي من خلال ديوانه الأول ( الصمت والرماد) ثم من خلال قصائده المتتابعة في مجلة الدوحة القطرية من (كلمات إلى نيسابور ) ....ثم جاء ديوانه الثاني( الليل عبر غابة النيون) . وعند كثيرين من أبناء ذلك الجيل تصديق لقول السياب (ان الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، إنه بناء فني جديد، واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسيكية كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد السياسيون والاجتماعيون الكتابة به وقد لخص الباحث جمال خضير الجنابي ذلك في قوله «القصيدة الحديثة هي ثورة على الكلاسيكية في القوانين الصارمة التي تفرضها على عملية الإبداع الأدبي، كما إنها ثورة على الرومانتيكية في انسياقها العاطفي وانشغالها بالهموم الفردية». ولكن لأن الشاعر ـ وأدواته ـ لغة وتراثاً هي نتيجة لتطور واكتساب فهي ليست جامدة ـ لهذا القاموس الشعري العربي في تجديد مستمرـ ولم تظل القصيدة الغنائية هي تلك القصيدة التي كتبها السابقون ومقلدونهم من المعاصرين. يلفت النظر في شعر كجراي ذلك التطور البياني الصاعد في شعره منذ( الصمت والرماد) وانتهاء بقصائد التسعينيات التي لم ينشر أكثرها... وقد انطوت على تحقيق ذلك التوازن الدقيق بين الصور المشرقة واللغة المترفة، والبعد الفلسفي الذي يضفي عمقاً على القصيدة، وينقلها من مرحلة التسطح إلى درجة الشعر الذي يكتسب خلوداً، ويصمد لاختبار الأجيال. اتخذ كجراي موقفاً إلى جانب حركة التقدم والتحرر الوطني التي اجتاحت السودان والوطن العربي وإفريقيا في الخمسينات والستينات ومع هذا المد القومي والتحرري كانت قصائده تنساب ويحتفي بها الكثيرون.. في إحدى جلسات لجنة الشعر ـ على عهد مايو ـ كان ديوان جديد لكجراي يقبع في انتظار إجازته من قبل اللجنة .. تساءل أحد الأعضاء هل لازال الشاعر على موقفه من السلطة؟؟ تساؤل لخص العلاقة الأزلية بين الشاعر والسلطان ماذا تريد السلطة من المثقف وماذا يريد المثقف المعاصر من السلطان....لقد انقضى زمان المتبني في تنقله بين الأمراء والسلاطين وهو دون شك من أعظم الشعراء الذين عرفتهم العربية ـ في تقديري ـ ولم يعد الشاعر المعاصر في حاجة لأن يستعيد الصورة الكاريكاتورية التي رسمها عبد الوهاب البياتي (للبحتري ـ الجاحظ....العينين أمام دينار جديد). في عام 1988م نشر كجراي قصيدة «العودة من الميتافيزيقا» في صحيفة الأيام العدد 6485 بتاريخ 29 نوفمبر. في الغياب الغامض المجهول، في أبعد أعماق الرؤى. في الحضور المستحيل كان كل الأفق الأزرق صمت كالعويل الداخلي وأنا أسبح في كل الفراغ المخملي تكتسي الشمس بلون البرتقال وأنا كالنورس العاشق يرنو للشريط الساحلي. هذه صور و مفردات وتراكيب تؤشر ذلك الخروج على التقاليد الكلاسيكية للقصيدة العربية والتي عرفها الأقدمون والمقلدون من بعدهم ـ هي نقلة إلى فضاءات وجودية وكونية تخرج عن ذلك النغم الذي لا يتجاوز سطح المياه الضحلة ليغوص في عالم ما ـ ورائي يستبطن تجربة الإنسان المعاصر الوجودية بكل ثقلها ومعاناتها.. وهي مؤشر مرحلة تسامي الشاعر وغيره من أبناء جيله عن هتافيات الواقعية الاشتراكية التي ملأت الساحة ضجيجاً وركب موجتها بعض محدودي الموهبة فاساءوا إلى التجربة التي حفلت مسيرتها بشعراء كبار... ها أنا أرقب ميلاد الدجى كنت يا قلبي تغني، نستبيك الكلمات الشاعرية وانتفضنا نعبر الأفق على صهوة ريح همها همك ان نعبر ظل الأرض نجتاز محيط الجاذبية الفراغ اللازوردي هنا كبساط من دمقس أو حرير عالم يشغله الصمت السديمي المثير وملايين العيون الكوكبية والزمان السرمدي وفراغات المحيط الأبدي فلك في موكب الدهر يدور هل لهذا نحن جئنا وابتعدنا كالنسور؟
لم يكن هناك امام الشاعر سوي ذلك للتأمل العميق في لعبة الوجود والعدم، وارتباط الانسان بذلك الكون الفسيح وما يذخر به من كائنات ورؤى ومشاهد «ملايين العيون الكوكبية الزمان السرمدي فراغات المحيط الابدي» وهي كلها فلك في موكب الدهور يدور ويجئ التساؤل العميق المستنفر لكل خلايا الوجود عن غاية الحياة والوجود على سطح الارض هل لهذا نحن جئنا وابتعدنا كالنسور». نستعيد هنا ما كتبه الامام الغزالي في المنقذ من الضلال «ان النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع اللا متناهية» وقد علق سعيد الغانمي بان الغزالي اتهم اللغة بالقصور عن نقل الوقائع ولكن تصريح الغزالي مردود ، فإذا قصد بكلمة «وقائع» الموجودات الخارجية، فإن اللغة ستكون إحداها وبالتالي فإنها ستكون لا متناهية، فضلاً عن كونها لا متناهية في الأساس كما يقول التحويليون، أما إذا اراد التجربة الذاتية فليس من وظيفة اللغة ان تستنسخ التجربة الخام، بل ان تمثلها وتقربها ... فالشئ لا يتطابق إلا مع ذاته ان شيئاً لا يكرر شيئاً آخر إلا إذا كانا من طبيعة واحدة وليس للغة ان تطابق التجربة بل ان توافقها على اللغة ان تهمس بالتجربة وتعيد صياغتها بحسب قوانين اللغة نفسها وليس بحسب قوانين التجربة ولاشك ان هذا التناول يعني فيما يعني ان تعيد اللغة ترتيب الاشياء وتوزع عليها اسماءها توزيعها جديدا وان تتفح باستمرار على امكانات محتملة نقول مالا يقابل وتعبير عما يستعصي على التعبير وبذلك فانها تكون لا متناهية ليس فقط بصوفها اصواتاً وقوانين لا تحد ولا تتكرر ، بل أيضاً بكونها تعبيراً منفرداً عما يقف هناك ولا يلمس عما يدرك ولا يحس عما يتلاشي دون ان يغيب ...
فلنعد للساحل المقمر يا قلبي فهذا الصمت لا يفضي إلى خط النهاية فالنهايات سديم عدمي كالبداية هذا ليس شعر الحكمة القديم ، الذي يقدر الحقائق في هدوء وسكون .. ولكنه شعر شاعر معاصر عاش منذ ثلاثينات القرن العشرين حتى مطالع القرن الحادي والعشرين، وشهد المأسي، الحرب العالمية الثانية إلغاء قنبلتين ذريتين على اليابان نكبة فلسطين الحرب في جنوب السودان الثورة الاريترية على بوابة السودان الشرقية والمجازر التي ارتكبت وكجراي ملتصق بها ومنغمس في جرحها الدامي منذ سنوات ولكن تسامي كجراي وتحليقه فوق الهموم اليومية ، وطرحه لاسئلة الانسان الكبرى والخالدة والمصيرية والبحث عن البدايات والنهايات.. واين يكمن الخلاص يقدم كجراي صورة اخرى تتجاوز فيها القصيدة الغنائية إطارها القديم، فتعمد الى تبني آلية السرد والحوار جاعلاً من القصيدة دراما حافلة بالحوار والصراع: انه الصمت الذي خالط اعماق القبور فلنعد للغابة الشجراء، للرمل الذي يمتد في اغفاءة الصحراء للبحر الذي تعبر في اجوائه كل الطيور للسنا يومض في كل مساحات الحقول لغيوم الحلم الوردي يمتد على كل الفصول
انني على يقين من ان هذه القصيدة وغيرها من قصائد كجراي مبثوثة في الصحف والمجلات ولدى أسرته وصديقه الناقد جابر حسين الذي هو في تقديري اعلم الناس باسرار ابداع كجراي، وحقوله الفسيحة، ولعل مخطوطته كجراي شاعر الحرية والقول الصحيح، هي أعظم هدية يقدمها ابناء جيلنا لشاعر رائد كبير لئن فاته تقدير أهل السلطان فأنت قد استقر عميقاً في وجدان الشعب.
كنت اكتب في هذه الأسطر العجلى وبقربي مذياع الاثنين 2003/8/11م وشاعر الاغنية الصادق الياس يسأل من قبل المذيعة عن اغنية تمني ان يكون مشاعرها فقال اغنية لابراهيم حسين من كلمات كجراي، وكأن المصادفة تحاول ان تذكرنا باسهام كجراي في الاغنيات السودانية من خلال الفنانين محمد وردي وابراهيم حسين «شفاه الله».
نعود إلى حكاية كجراي والسلطة ونتساءل لقد نات الجوائز في مختلف العهود عنه ولن يضيره ذلك شيئاً فهو شاعر كبير ومفكر عميق وصل في شعره إلى ذرى تتقاصر عنه اجنحة شعراء لا يستطيعون التحليق في الفضاء البعيد .
الرؤى الخضراء تمتد الى أعمق ابعاد
المسافة
قد تذكرت صديقي سلفادور
ولماذا اشعل النار على ظهر الزرافة
(هذه الأرض لنا)
فلماذا يعبر الصاروخ كي يبحث عن اصل الخرافة
هذه لوحة بيكاسو التي تشجب في عالمنا كل الحروب
لا يزال الجوع كالغول الذي يكمن في كل الدروب.
---------------------------------------------------------------------------------
الرواية الإفريقية ..
إشارة حول إشكالاتها ومستقبلها عبد الماجد عبد الرحمن
الرواية من الفنون الادبية الحديثة جدا قياسا باشكال الادب الاخرى كالشعر مثلا مع ان السرد نفسه ضارب في القدم وقد نشأت الرواية بشكلها الحديث في اوروبا ومن هنا انتقلت الى جميع قارات العالم وقد اضحى هذا الفن مؤخراً من الاهمية بحيث شاع تعبير (الرواية ديوان العرب الجديد ) وحتى صارت لامريكا اللاتينية نكهة وطعما ثقافيا متميزا وصار لها جمهور ثقافي يكاد يوازي جمهورها الرياضي العريض وعرف العالم نجوماً مثل ماركيز وامادو واليندي مثلما عرف بيلية وزيكو وماردونا وكما حدث في كل القارات، اكتسبت الرواية رواجا واهمية في افريقيا (قارة المستقبل الاولى رغم راهنها الردئ) فحصد بعض روائييها جوائز نوبل - مثل سوينكا وتشنوا اتشبي الذي احتلت رائعته (الأشياء تتداعي) (Things Fall Apart) مكانها ضمن المائة عمل الأعظم في تاريخ الانسانية، وهي رواية صغيرة تناقش كزميلتها (موسم الهجرة إلى الشمال) اشكاليات الاستعمار الاوروبي للقارة ، ورغم هذا النجاح فقد واجهت ولاتزال الرواية الافريقية اشكالات كثيرة وعميقة نذكر منها ايجازاً:
1/اشكالية التعريف هل تعرف الرواية الافريقية جغرافيا، اثنيا ، ام تعرف على اساس خصائصها الفنية؟ فاذا عرفناها على اساس جغرافي لاعتبرنا روايات نجيب محفوظ مثلاً روايات افريقية واذا عرفناها اثنيا استبعدنا روائيين كبار «بعض روائيي جنوب إفريقيا البيض مثلاً» اما اذا عرفناها اعتماداً على هواجسها المضمونية وسماتها الفنية لامكننا اعتبار الروائي الانجليزي الكبير جوزيف كونراد - روائياً افريقيا بسبب تماهية الكبير مع «الهاجس» الافريقي بدفع الحساسية الافريقية لديه .
2/ اشكالية الوسيطة اللغوي: معظم الروايات الافريقية مكتوبة بلغات اوروبية - خاصة «الانجليزية والفرنسية» وفي حين انه لامر عادي ان يكتب الروائي بلغته الام ثم تترجم اعماله الى لغات اخرى، فليس طبيعيا ان يعبر ضمير الامة عن هواجس تلك الامة بغير لغتها الاصلية وفي اللسانيات الحديثة لا يكاد الجدل حول العلاقة بين اللغة والهوية يخبو حتى يشتد اواره من جديد وحديثاً جداً، برز الموضوع مرة اخرى مع اتساع فتوحات« عالم تحليل الخطاب» وتحليل الخطاب النقدي بشكل أدق «Critical Discourse Analysis» أو (CDA) اختصاراً
ولكن اشكالية اللغة افادت الرواية الافريقية من زاوية اخرى اذ منحتها خصيصة فنية تعتبر من سماتها «المعرفة» «Defining Features» وهي خاصية «التكويد» «تحويل الشفرة» وسمة اخرى مرتبطة بها وهي «أسلوبية التناص المعاكس» ولا يتسع المجال هنا للتفصيل قدر اتساعه للإشارة والإجمال وقد جذبت هذه السمة الاهتمام الاوروبي حتى صار بعض اللغويين ينظرون إلى هذه الكتابات بوصفها من «الإنجليزيات الجديدة» «New Englishes».
3/ اشكاليات المضمون «Theme» معظم الروايات الإفريقية الناجحة والتي حصدت الجوائز العالمية دارت حول الاستعمار ولكن الاستعمار بشكله القديم ذهب إلى الأبد وتواجه الرواية الافريقية مشكلة ابتداع مضامين جديدة فحتى الروايات الافريقية الحديثة جداً في حالة كوننا اعتمدنا التعريف الجغرافي» مثل رواية عابر سرير «2003م» للجزائرية احلام مستغانمي تدور حول الاستعمار والثورة الجزائرية مع إضافة ثيمة الاحباطات الوطنية الجزائرية اللاحقة لابد إذن من الخروج من هذا المأزق المضموني وفتح الكتابة على آفاق العولمة والمشكلات الجديدة.
4/ اشكالية الخصائص الفنية اعتمدت الرواية اللاتينية على (الواقعية السحرية) كثيراً في رواجها ويمكن اعتبار (واقعية التوتر المكاني والهاجس الهويوي) المخلوط بسحر القارة (الخاص) من سمات الرواية الإفريقية المهمة.
وتبحث الرواية الافريقية عن بصمة فنية جديدة وسط مأزق فني عام تمر به الرواية ككل.
5/اشكالية الاهمال النقدي تعاني الرواية الافريقية من ندرة المتخصصين والنقاد المهتمين ففي حين نجد بعض الاهتمام بها في اقسام اللغة الانجليزية في الجامعات السودانية لا تكاد اقسام اللغة العربية توليها اهتماماً يذكر وربما كانت مشكلة الترجمة ذات علاقة هنا اذا لا تكاد تجد ترجمات لمعظم الاعمال الافريقية المكتوبة باللغات الأوروبية.
وفي السودان كان الدكتور علي عبد الله عباس يولي الرواية الافريقية اهتماماً خاصاً وكذلك الدكتور مروان الرشيد ومن الأكاديميين الشباب الذين تخصصوا في الرواية الافريقية هو الدكتور حامد الدود «جامعة النيلين» إذ نال الماجستير في الرواية الافريقية والدكتوراة في الأدب الإفريقي المقارن، ولكنه بعيد عن المنابر الثقافية وحبيس المدرجات الجامعية.
ولابد من ذكر أمفريب الذي ترجم بعض الأعمال الافريقية المهمة واحاطها بالنقد ، وبعد هذه إشارة الى الرواية الافريقية واشكالياتها الهويوية والفنية، قصدنا بها التنوير والدعوة للاهتمام، وذلك من باب معرفي وانساني عام ومن باب خاص يتصل بحوار الثقافات في وطننا السودان الذي يمر بمرحلة دقيقة للغاية.
الرواية الإفريقية ..
إشارة حول إشكالاتها ومستقبلها عبد الماجد عبد الرحمن
الرواية من الفنون الادبية الحديثة جدا قياسا باشكال الادب الاخرى كالشعر مثلا مع ان السرد نفسه ضارب في القدم وقد نشأت الرواية بشكلها الحديث في اوروبا ومن هنا انتقلت الى جميع قارات العالم وقد اضحى هذا الفن مؤخراً من الاهمية بحيث شاع تعبير (الرواية ديوان العرب الجديد ) وحتى صارت لامريكا اللاتينية نكهة وطعما ثقافيا متميزا وصار لها جمهور ثقافي يكاد يوازي جمهورها الرياضي العريض وعرف العالم نجوماً مثل ماركيز وامادو واليندي مثلما عرف بيلية وزيكو وماردونا وكما حدث في كل القارات، اكتسبت الرواية رواجا واهمية في افريقيا (قارة المستقبل الاولى رغم راهنها الردئ) فحصد بعض روائييها جوائز نوبل - مثل سوينكا وتشنوا اتشبي الذي احتلت رائعته (الأشياء تتداعي) (Things Fall Apart) مكانها ضمن المائة عمل الأعظم في تاريخ الانسانية، وهي رواية صغيرة تناقش كزميلتها (موسم الهجرة إلى الشمال) اشكاليات الاستعمار الاوروبي للقارة ، ورغم هذا النجاح فقد واجهت ولاتزال الرواية الافريقية اشكالات كثيرة وعميقة نذكر منها ايجازاً:
1/اشكالية التعريف هل تعرف الرواية الافريقية جغرافيا، اثنيا ، ام تعرف على اساس خصائصها الفنية؟ فاذا عرفناها على اساس جغرافي لاعتبرنا روايات نجيب محفوظ مثلاً روايات افريقية واذا عرفناها اثنيا استبعدنا روائيين كبار «بعض روائيي جنوب إفريقيا البيض مثلاً» اما اذا عرفناها اعتماداً على هواجسها المضمونية وسماتها الفنية لامكننا اعتبار الروائي الانجليزي الكبير جوزيف كونراد - روائياً افريقيا بسبب تماهية الكبير مع «الهاجس» الافريقي بدفع الحساسية الافريقية لديه .
2/ اشكالية الوسيطة اللغوي: معظم الروايات الافريقية مكتوبة بلغات اوروبية - خاصة «الانجليزية والفرنسية» وفي حين انه لامر عادي ان يكتب الروائي بلغته الام ثم تترجم اعماله الى لغات اخرى، فليس طبيعيا ان يعبر ضمير الامة عن هواجس تلك الامة بغير لغتها الاصلية وفي اللسانيات الحديثة لا يكاد الجدل حول العلاقة بين اللغة والهوية يخبو حتى يشتد اواره من جديد وحديثاً جداً، برز الموضوع مرة اخرى مع اتساع فتوحات« عالم تحليل الخطاب» وتحليل الخطاب النقدي بشكل أدق «Critical Discourse Analysis» أو (CDA) اختصاراً
ولكن اشكالية اللغة افادت الرواية الافريقية من زاوية اخرى اذ منحتها خصيصة فنية تعتبر من سماتها «المعرفة» «Defining Features» وهي خاصية «التكويد» «تحويل الشفرة» وسمة اخرى مرتبطة بها وهي «أسلوبية التناص المعاكس» ولا يتسع المجال هنا للتفصيل قدر اتساعه للإشارة والإجمال وقد جذبت هذه السمة الاهتمام الاوروبي حتى صار بعض اللغويين ينظرون إلى هذه الكتابات بوصفها من «الإنجليزيات الجديدة» «New Englishes».
3/ اشكاليات المضمون «Theme» معظم الروايات الإفريقية الناجحة والتي حصدت الجوائز العالمية دارت حول الاستعمار ولكن الاستعمار بشكله القديم ذهب إلى الأبد وتواجه الرواية الافريقية مشكلة ابتداع مضامين جديدة فحتى الروايات الافريقية الحديثة جداً في حالة كوننا اعتمدنا التعريف الجغرافي» مثل رواية عابر سرير «2003م» للجزائرية احلام مستغانمي تدور حول الاستعمار والثورة الجزائرية مع إضافة ثيمة الاحباطات الوطنية الجزائرية اللاحقة لابد إذن من الخروج من هذا المأزق المضموني وفتح الكتابة على آفاق العولمة والمشكلات الجديدة.
4/ اشكالية الخصائص الفنية اعتمدت الرواية اللاتينية على (الواقعية السحرية) كثيراً في رواجها ويمكن اعتبار (واقعية التوتر المكاني والهاجس الهويوي) المخلوط بسحر القارة (الخاص) من سمات الرواية الإفريقية المهمة.
وتبحث الرواية الافريقية عن بصمة فنية جديدة وسط مأزق فني عام تمر به الرواية ككل.
5/اشكالية الاهمال النقدي تعاني الرواية الافريقية من ندرة المتخصصين والنقاد المهتمين ففي حين نجد بعض الاهتمام بها في اقسام اللغة الانجليزية في الجامعات السودانية لا تكاد اقسام اللغة العربية توليها اهتماماً يذكر وربما كانت مشكلة الترجمة ذات علاقة هنا اذا لا تكاد تجد ترجمات لمعظم الاعمال الافريقية المكتوبة باللغات الأوروبية.
وفي السودان كان الدكتور علي عبد الله عباس يولي الرواية الافريقية اهتماماً خاصاً وكذلك الدكتور مروان الرشيد ومن الأكاديميين الشباب الذين تخصصوا في الرواية الافريقية هو الدكتور حامد الدود «جامعة النيلين» إذ نال الماجستير في الرواية الافريقية والدكتوراة في الأدب الإفريقي المقارن، ولكنه بعيد عن المنابر الثقافية وحبيس المدرجات الجامعية.
ولابد من ذكر أمفريب الذي ترجم بعض الأعمال الافريقية المهمة واحاطها بالنقد ، وبعد هذه إشارة الى الرواية الافريقية واشكالياتها الهويوية والفنية، قصدنا بها التنوير والدعوة للاهتمام، وذلك من باب معرفي وانساني عام ومن باب خاص يتصل بحوار الثقافات في وطننا السودان الذي يمر بمرحلة دقيقة للغاية.
--------------------------------------------------------------------------------------